محمد أبو زهرة

1782

زهرة التفاسير

والإشفاق من تحركاتهم ، أسرع هؤلاء المنافقون لإذاعة الشائعات ، وأظهروها وتحدثوا بها قبل أن يقفوا على حقيقتها ، وقد يكون في ذلك ضرر بالإسلام والمسلمين ، ولكنهم لا يبالون ، بل ربما كان ذلك هو ما يبتغون . وقال بعض المفسرين إن ضعاف المسلمين كانوا يفعلون ذلك أيضا ، فقد كان بعضهم يفشى أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، دون إذن في ذلك ، ويحسبون أنهم لا يخطئون فيما يفعلون ، ويسيئون ويحسبون أنهم يحسنون . وسواء أكان ذلك من المنافقين أم من ضعاف المسلمين فهو خطأ لا يجوز أن يحدث ؛ لذلك يجئ الأمر من الله تعالى بألا يسرع المسلم في الحديث بأخبار لم يتحقق منها ، ولم يتبين له صدقها من كذبها ، ولم يميز من أمرها بين النفع والضرر ، بل يجب على هؤلاء وأولئك أن يردوا الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وينتظروا حتى يكون عليه الصلاة والسلام ، هو الذي يتحدث به ويكشف عن صدقه ، ويبين نفعه للمسلمين أو ضرره ، وهذا الحكم ماض في كل زمان ومكان ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ، فإنه قد ورث العلم لطائفة من أمته هم أولو العلم وأولو الأمر ، وأهل الفقه في الدين ، فيجب على المسلمين أن يردوا مثل هذه الأمور إليهم ؛ لأنهم إذا ردوا الأمر إليهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي يستخرجون معناه ، ويبينون فحواه ، فإذا الأمر معلوم ، والحق واضح لا شبهة فيه ، ولا غموض . والاستنباط هو استخراج الماء من البئر ، فشبهت الأفكار التي تدور في خلد الإنسان بالماء الذي في البئر ، والعلماء يستخرجون هذه الأفكار ويكشفون عن معناها ، فيعلمون ما ينبغي أن يقال وما يجب أن يستر ويكتم فلا يشيع بين الناس . وفي تلك الجملة دليل على جواز اجتهاد العلماء في الأمور الفقهية عن طريق القياس ، والحكم بما يبينه ذلك القياس ، ما لم يكن هناك نص من القرآن أو السنة ، وما لم يكن هناك إجماع .